التوبة باب يُفتح لكل مخلص في طريقه إلى مرضاة الله التواب. وهي الطريق الموصلة إليه، فإليه مرجعنا جميعًا طوعًا أو كرهًا. وعلى من تاب أن يدرك نعمة هذه الفرصة التي أتيحت له وأن يشكرها.
فالتائب قد تحرر، وفُتحت له أبواب لا يملك مفاتيحها إلا الله.
كيف نتحرر من الجهل؟
لا يبقى الإيمان الصادق مدفونًا في ظلمات قلب أضعفه عقل جاهل، ونفس شغلتها ملذات الدنيا. فالتوبة اعتراف وإقرار بالخطأ، وإرادة لقضاء العمر في الشهادة بوحدانية خالقنا.
الإيمان به أن نعلم أنه معنا، يراقبنا، وأننا لن نكون من دونه أبدًا. والتوبة أن يصبح المرء غير قادر على إنكار إيمانه بالله القدير. وهي أيضًا إقرار بقلة علمنا. لذلك حان الوقت لتكثير أسباب التعلم عن خالقنا ومعرفته كما يليق به أن يُعرف.
فالتوبة تحرر من الجهل وخروج من الظلمات إلى النور. وكلما سعى العبد إلى معرفة الله جل جلاله ازداد حبًا له، وكلما ازداد حبه له ازداد عمله للتقرب إليه.
«(...) ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؛ وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». رواه الترمذي
كيف نتحرر من المعصية؟
الرجوع إليه بقلب منيب نادم، يكره العودة إلى العمى، يعني الاستعداد لطرح الأنا جانبًا، وعدم الإصغاء في النفس إلى صدى الشهوات والميول والرذائل، طلبًا لما يريده الله سبحانه لنا وينتظره منا:
سورة 51، الآية 56
«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون».
بطاعة الله وامتثال أوامره، يثبت العبد محبته له. والتائب يتلقى برهان محبة الله الذي يمنحه لمن يشاء، حين يفتح لهم أبواب التوبة. وأول عبادة يجب عليه أداؤها بعد الشهادة بوحدانية الله وأن محمدًا نبيه ورسوله هي الصلاة.
يقول الله تعالى في سورة 20، الآية 132, والله عز وجل يقول :
«وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها (...)».
كيف نتحرر من الجحود؟
«الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون». سورة 40، الآية 61
التوبة أن ندع محبته تغمرنا وتنمو فينا، وأن نفتح قلوبنا لمشاعر دفنها الجهل في أعماقنا، وأن نستشعر قوة التحول الذي يولد فينا.
فمحبة الله تقتلع المشاعر الدنيئة التي استوطنت الفراغ الذي كانه قلبنا وتدمرها. والتوبة تحرر، بعمل يومي على النفس، من الكبر والحقد والكراهية والحسد واللامبالاة، بل وما هو أسوأ منها.
لا يستطيع المرء أن يحب من لا يعنيه أمره ولا يكاد يعرفه، فكيف بالخالق؟ ولله المثل الأعلى. إن تعلم أسمائه وصفاته لندعوه ونسأله ونشكره بها واجب. وفي ذلك اعتراف بأننا نطلب الكثير، مع أننا لا نبذل له من وقتنا ما يكفي لمعرفته وطاعته.
فالتوبة إقرار بأننا جحدنا النعم طوال هذا الزمن، ورغبة في التقدم نحوه. ومع كل خطوة سترى، أيها التائب، آثار محبته عليك أسرع مما تظن:
«إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». رواه البخاري ومسلم
كيف نتحرر من الملهيات؟
«وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلًا ما تتذكرون». سورة 40، الآية 58
يزين الشيطان أعمال الضالين. وحين يختار العبد التوبة، فليتهيأ لمجاهدة ما توسوس به نفسه. وعليه أن يعيد النظر في تصوره للحياة، ويبتعد عن مجالس اللغو والفتن والجدال. فالدنيا ليست نعاسًا ولهوًا ومكاسب فحسب.
قال الله سبحانه في سورة 7، الآية 51 :
«الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون».
والعبد الذي يطلب القرب من ربه لا يسعه أن يتخلى في الطريق عن طلب الحق، ولا أن يضيع في التوافه أو مشاغل الدنيا التي لا تنقطع.
والوسطية هي الصراط المستقيم الذي ينبغي تحريه في كل أمر، والتوفيق كله من الله.
وخلاصة القول أن على المؤمن، حتى تصح توبته، أن يحقق 5 شروط:
- الإخلاص لله وحده؛ فلا يشرك في توبته أحدًا، ولا مصلحة ولا خوفًا من شيء أو شخص سوى الله.
- الندم على الأفعال التي يتوب منها
- كراهية العودة إلى الفعل المذموم الذي اعتاده، والعزم على ألا يفعله أبدًا
- الإقلاع عن الذنب فورًا، ورد الحقوق إلى من ظُلموا من الناس
- التوبة قبل حضور الموت، وإلا لم تُقبل التوبة (أو قبل طلوع الشمس من مغربها).
فقد قال الله تعالى:
«وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن». (سورة النساء، الآية 18)
والله أعلم. نسأل الله أن يهدينا.