يسعى المؤمن كل يوم إلى تحسين صحته الجسدية، لكنه كثيرًا ما يغفل عن صحة قلبه. وسواء بذل أقصى جهده لزيادة قدراته البدنية أم لا، فمن المؤكد أنه يخشى أن يصيب المرض أي عضو من جسده؛ ولذلك تنصب جهوده كلها على الوقاية من الأمراض. وكلما عرف الاحتياطات اللازمة لاتقاء أبسط العلل ازداد عناية بصحته، فماذا عن أمراض القلوب ؟
ما هي وكيف تُعالج ؟
ماذا يخبرنا القرآن عن أمراض القلوب ؟
يعلمنا الله سبحانه في القرآن أن القلب قد يمرض.
"فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.
الآية 10 من سورة البقرة
يبين الله في هذه الآية بوضوح ثلاث مراحل للمرض في حديثه عن الكافرين :
- الشك في الله وفي مشيئته علامة نفاق يجب مجاهدتها
- وإلا زاد الله المرض في قلب الشاك
- حتى يفضي به إلى العذاب الأبدي.
وهذا مآل الكافرين، لكن أمراض القلوب لا تختص بهم؛ فقد تصيب المؤمن ويعاني آثارها في حياته. لذلك يجب معرفتها وبذل كل ما يمكن للوقاية منها.
"إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. الآية 49 من السورة 8
إن أمراض القلوب تترك آثارًا ضارة في إيماننا وتفكيرنا وسلوكنا. وعدم مقاومتها يفضي إلى هدم الإيمان، وإلى النار والعياذ بالله.
وتؤكد آيات قرآنية كثيرة هذا المعنى :
- فإذا مرض القلب صار المرء أسرع تأثرًا بالفتن، وقسا قلبه كما يعلمنا الله.
"فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. الآية 43 من السورة 6
"لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. الآية 53 من السورة 22
- ثم يصبح النفاق داءً آخر من أدواء القلب؛ فبسبب ضعف الإيمان الذي يوقع صاحبه في الشك يرتكب أعمالًا تخالف دينه وما يريده الله خالقنا منا.
"لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا. الآية 60 من السورة 33
- والمرحلة التالية، عافانا الله منها، هي الكفر بالله نتيجة التمادي في الشك.
"فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. الآية 10 من السورة 2
"قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ. الآية 102 من السورة 5
بعض أمثلة أمراض القلوب
تؤكد الآيات السابقة كلها أن القلب قد يمرض. ولا تنتهي فرصة الرجوع إلى الإيمان وحسن العمل إلا بموت الإنسان.
مرض الفهم والتصور
كثيرًا ما يقرن القرآن مرض القلب بالشك. ولكن كيف يتسلل الشك إلى القلب ؟ إنه ثمرة الجهل والبعد عن معرفة الرب والدين. فالأسئلة التي لا تجد جوابًا واضحًا قد تورث قلبًا خاليًا من المعنى شكًا، فيبدأ بالابتعاد عن الحق.
"بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ. الآية 63 من السورة 23
والنتيجة هي الخطأ في فهم الدين، وتكوين رؤية زائفة للعالم المحيط بنا. فتتجه جهود الشاك كلها إلى تحصيل متاع الدنيا الزائل الذي يصبح عنده كل شيء، ولا يترك مجالًا لطلب معرفة الله والفهم الصحيح للإسلام.
فإذا صار متاع الدنيا من عمل ومال ونساء وأبناء غاية الإنسان الأولى، دل ذلك على أن مرضًا تسلل إلى قلبه من غير أن يشعر، وأن عليه أن يسارع إلى إصلاح نفسه.
ما الحل ؟
أن ندعو الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه. فالدعاء لب العبادة، وصلة مميزة ينبغي صونها بيننا وبين خالقنا.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه!
Allahumma! arina al-haqqa haqqan wa-rzuqna ttiba'ah wa arina al-batila batilan wa-rzuqna jtinabah! Amin
إذن فإن طلب العلم والحق هما علاج هذا المرض.
مرض السلوك
الميل إلى المعصية، وإرادة الشر مع العلم بأنه ذنب، مرض قلبي يجب اتقاؤه أو علاجه. واتباع اللذات والشهوات هو منبع هذه المعصية التي يرسخها التكرار في القلب.
فضعف التوحيد يورث خللًا في الإيمان بالله؛ فمن لا يعرف ربه حق المعرفة قد يشك فيه، ومن ثم تضعف إرادته في طلب رضاه.
وكيف يحسن المرء الأدب مع ربه وخلقه إن كان لا يعرف ما يريده الله منا أو يشك فيه ؟ إن عدم الإيمان بالله أو فساد الاعتقاد فيه يؤدي حتمًا إلى الشعور بأن الله تخلى عن العبد وإلى الشك، إلا من أدركتهم رحمته، جعلنا الله منهم.
ما الحل ؟
العودة إلى الاعتقاد الصحيح بالله من خلال معرفة أسمائه وصفاته. إن طلب معرفته والقرب منه يقوي قلب المؤمن.
مرض سوء الظن بالله
الاعتقاد بأن الله لا ينصر المؤمنين أو لا يقدر على معالجة بعض الأحوال من سوء الظن بالخالق. ومن ثم فإن ضعف اليقين به مرض قلبي يجب علاجه قبل أن يزداد حال صاحبه سوءًا.
فالجهل بالله وعدم معرفته حق المعرفة يورثان الضعف، ويفتحان للشيطان بابًا يلقي منه الشك في القلب.
"أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. الآية 50 من السورة 24
"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. الآية 12 من السورة 33
"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ. الآية 29 من السورة 47
ما الحل ؟
العودة إلى القرآن وسنة رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، والعودة إلى الإيمان الصادق الصحيح.
فبطلب العلم وحده يرسخ يقين المؤمن بأن شرائع الله تحيط بجوانب حياتنا كلها، وأنها كاملة لأنها صادرة عمن له الكمال وحده.
الحالة الخاصة للقلب المريض وعلاجها
مشكلة القلب المريض أنه ليس كالقلب السليم، ولا كالقلب الذي مات ولم يعد يُرجى صلاحه. ومع التخبط بين الجهل وتكرار الذنوب يقترب شيئًا فشيئًا من الموت.
فالقلب الميت لا يسمع ولا يبصر. والقلب الضعيف المملوء بالشكوك، المفتون بالذنوب والشهوات، يزداد ضعفًا حتى لا يشبه قلوب المؤمنين ولا قلوب الكافرين؛ بل يتردد بينهما.
"مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.الآية 143 من السورة 4
علاج أمراض القلوب?
قراءة القرآن كل يوم !
يحذرنا الله في القرآن من اتباع خطى الكافرين والاغترار بتقلبهم في الأرض؛ فما سلطانهم في الدنيا إلا متاع زائل، يعقبه عذاب أبدي، عافانا الله منه.
وهكذا لا تُصلح الرؤية الفاسدة وما تورثه من ضعف، إلا المواظبة على قراءة القرآن.
فعندما نقرأ القرآن يصلح كلام الله فهمنا القاصر وتصورنا الخاطئ عنه، ويقوى توحيدنا وثقتنا به، ويعود القلب إلى الحياة بالحق الذي يقرؤه.
وشفاء القلب المريض يكون بملازمة الحق. فيرى المرء الأشياء بنظرة جديدة تستند إلى براهين الله، وتحل الثقة والمعرفة محل الشكوك.
إن القرآن أول مصدر (إن لم يكن المصدر الحقيقي الوحيد) لشفاء القلب.
والقلب الخالي من القرآن كالبيت الخرب؛ فارغًا يسمح لكل شيء أن يستقر فيه. لذلك فإن قراءة قدر من القرآن كل يوم بتدبر تمد القلب بكل ما يحتاج إليه ليقوى وترسخ معرفته بالله.
والقرآن أيضًا وسيلة لمناجاة الخالق، فكيف يحرم المرء نفسه منها؟
فبحسب ما نقرأ من الآيات، نجيب الرحمن مباشرة من غير واسطة.
- فإذا تضمنت الآية دعاءً دعونا لأنفسنا ولإخوتنا وأخواتنا في العالم
- وإذا شهدت الآية بعظمة الله أو بصفة من صفات ربنا شهدنا بها ومجدناه
- وإذا ذكرت الآيات عذاب الآخرة سألنا الله بإخلاص أن يقينا منه. وهكذا.
فبقراءة القرآن ندعو الله ونمجده ونشهد بعظمته وبنعمه علينا.
ولنتذكر أن إيماننا لا يُقاس بعدد ما نقرأ من الآيات، بل بصدق ما نبذله في ذكره. ولا شك أن كثرة القراءة تزيد الإيمان، فكيف نبقى بعيدين عن كلامه ؟
نسأل الله أن يعافينا من أمراض القلوب، وأن يثبتنا جميعًا على صراطه المستقيم. آمين