رمضان قد حل فعلًا، ومضت منه بضعة أيام. وبينما وضع كل واحد برنامجه التعبدي، لا يزال آخرون يتساءلون من أين يبدؤون: على أي العبادات يركزون، وهل يتدبرون القرآن أم يكثرون من تلاوته؟ ماذا لو كان سر رمضان الناجح في موضع آخر؟ كيف نبلغ التقوى ونحافظ عليها؟
سنحاول في هذا المقال أن نفهم لماذا يُعد رمضان بالغ الأهمية، وكيف نغتنم تمامًا ثماره التي يدعونا إلى تذوقها كل عام، حتى نرسخها في نفوسنا.
لماذا رمضان مهم إلى هذا الحد؟
إن التماس معنى هذه الفترة الرمضانية المباركة هو أول لبنة في طريق بلوغ غاية رمضان المفعم بالإخلاص. فكيف نجني خيرات هذه الأيام والليالي المباركة كلها من غير أن نفهم مقاصدها، ومعنى اسمها، والظروف المحيطة بهذا الشهر؟
رمضان هو الشهر الذي فُرض علينا صيامه، لكنه أيضًا شهر القرآن بما يحمله للبشرية من فضائل جليلة ومنافع عظيمة. نعم، للبشرية كلها، لا للمسلمين وحدهم!
لننظر أولًا فيما يقوله الله، سبحانه وتعالى، عن ذلك في آياته الكريمة:
أولًا، رمضان هو الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم. ففي هذا الشهر، الذي يعني اسمه في العربية "شدة الحر"، نزل الكتاب المقدس المحفوظ في السماء السابعة إلى السماء الدنيا، ثم تنزّل منجمًا على مدى 23 سنة إلى البشرية على لسان رجل أمي طاهر مطهر في أعماق الجزيرة العربية، عليه الصلاة والسلام ما تعاقب الزمان.
وهكذا أوحى الله بكلامه المقدس إلى المَلَك جبريل، الذي بلّغه إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، فبلّغه النبي لأمته، ثم حمله رسله شيئًا فشيئًا على ظهور الخيل إلى العالم أجمع.
ولا يزال كلامه يُبلّغ إلى يومنا هذا، وقد بدأ ذلك كله بنزول النسخة المقدسة إلى السماء الدنيا في شهر حرام هو رمضان.
اختير هذا الشهر، الذي وافق زمنًا شديد الحر في الجزيرة العربية، لتلقي الوحي من السماء، كما ينتظر الظمآن في الصحراء نزول الماء. والحقيقة أن البشرية كلها تلقت القرآن الكريم في هذا الشهر.
فلماذا نصوم إذن؟
فُرض صيام رمضان، وهو الركن 4 من أركان الإسلام كما بينّا في مقال آخر، على أمم قبل المسلمين. فقد فُرض على النصارى واليهود أيضًا، بصور مختلفة، صيام عدد معلوم من الأيام خضوعًا لخالق الكون.
رمضان ليس مجرد احتفاء بنزول القرآن في هذه المدة، بل هو أيضًا صلة بالله من خلال القرآن، وهذا معنى لا يدركه حق الإدراك كثير من المؤمنين الذين لا يرون فيه إلا إخضاع أجسادنا للخالق.
وإذا تأملنا حال نبينا الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم، وجدنا أنه كان يصوم بنية واعية؛ فلما كان يصوم شعبان بيّن لأصحابه فضل صيامه.
فقد أخبرهم أنه يحب أن يُرفع عمله إلى ربه وهو صائم، كما نقرأ في هذا الحديث النبوي:
عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان. (رواه البخاري ومسلم)
فإذا كان القرآن قد أنزل في رمضان، فإنما كان ذلك لكي نقبل عليه، ونلتمس به رضا الله، ونتدبره.
ما غايات رمضان؟
لا بد من فهم هذه الصلة بين فريضة الصيام والقرآن حتى نجني ثمار شهر رمضان المبارك كلها؛ فمقاصد الصوم أعمق من ذلك، ولإدراكها ينبغي أن نقرأ بتأنٍّ الآية 183 من سورة البقرة:
"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"
التقوى، وهي الورع والخشية، الغاية القصوى المنشودة من الصيام.
ولو تصور المؤمن الصيام تدريبًا، والتقوى مسابقة عمره، وفهم القرآن شهادته، لصام عن بصيرة من غير فتور. ولظل يدرس القرآن ويتدبره بلا انقطاع، لأن السعي إلى التقوى لا ينتهي بانتهاء رمضان.
إنها مسابقة تمتد طوال العمر!
وخط نهايتها، أدركنا ذلك أم لم ندركه، هو أبواب الجنة!
ينادينا الله في كل رمضان: "من يتسابق؟" فعلينا أن نأخذ هذا التدريب، أي صيام رمضان، مأخذ الجد؛ فالرهان عظيم.
ما التقوى؟ إنها ذلك الوعي الباطني بأن الله حاضر يرانا؛ أن نعبده بوعي كامل، حبًا له وخشية وإجلالًا لربنا، فهو يرانا وإن كنا لا نراه.
في صيام رمضان، حين يصرخ الجسد من الجوع ويتوق إلى إرواء عطشه وسائر شهواته، يمنعه إيمانه بالله من العصيان، لأن استشعاره الكامل لمراقبته أقوى. وهذا الوعي بخالقنا هو ما ينبغي أن ننميه لما بقي من حياتنا، و30 يومًا ليست كثيرة لتحقيق ذلك.
ينتظر الله منا أظهر تجليات إيماننا، ألا وهي التقوى. لذلك كانت هذه الكلمة من أكثر الكلمات تكرارًا في القرآن، ولهذا أيضًا فُرض علينا الصيام في شهر القرآن.
وحين يغيب هذا الوعي، لا تكون قراءة القرآن على الحال نفسها!
ولن تُكتشف منافع القرآن المذكورة في الآية السابقة، لأن القراءة باللسان وحده قليلة الثمر.
ففي أول آية قرآنية أوردناها أعلاه، يخبرنا الله أنه أنزل القرآن في رمضان وأنه:
- هدى
- وبينات من الهدى للناس
- والفرقان (بين الحق والباطل)
والقلب المستشعر لمراقبة الله حين يقرأ يتدبر، ويقف عند الدعاء، ويبكي خشوعًا، ويتضرع بإخلاص، ويوقن أن الله وحده القادر على إجابته.
ورمضان يهيئ المرء لذلك.
كان الصحابة الذين يشهدون تلاوة القرآن في صلاة الليل يفهمون العربية، ومن ثم يدركون منافع القرآن. وكانوا ينتظرون رمضان بشوق ليجنوا ثماره طوال بقية العام.
أما اليوم، فأصبح عدد الآيات المقروءة أهم من فهمها، أو حتى من مجرد السعي إلى فهمها، ويا للأسف.
ولا يمكن بلوغ هذه التقوى التي ذكر الله أنها غايتنا إلا بمحاسبة النفس؛ كل واحد منا يحاسب نفسه.
هل نريد حقًا أن نفهم من خلال القرآن:
- كيف يريد الله منا أن نحيا؟
- ما المحرم وما المباح ؟
- ما الذي أدى إلى هلاك الأمم من قبلنا حتى لا نقع في الشراك نفسها؟
- ما الذي يحبه الله فنسعى إليه، وما الذي يبغضه فنجتنبه؟
إن كانت الإجابة نعم، فلنعلم أن كلام الله وحده كفيل بأن يعيننا على إيجاد أجوبة هذه الأسئلة كلها، وأن صيام رمضان يساعدنا على ذلك.
نسأل الله أن يعيننا ويحفظنا من سوء فهم غايتنا في الأرض، ومن سوء فهم القرآن وكيفية صيام رمضان، وأن يوفقنا إلى بلوغ التقوى. آمين
وأن يعيننا على إحسان عبادته، ويجعلنا من عباده الذين رضي عنهم. آمين
إن كانت لديكم أسئلة حول هذا المقال أو مقترحات تودون تقديمها لنا، فتفضلوا بكتابتها في التعليقات.
بارك الله فيكم