رمضان، شهر القرآن: فرصة ذهبية للتواصل مع الله

Ramadân

رمضان، شهر القرآن بامتياز، حلَّ ضيفًا طال انتظاره. ها هو بيننا كما في كل عام، ولن يمكث معنا إلا أيامًا معدودات. وكل واحد منا، بوصفه مسلمًا، يحمل له في قلبه مكانة عزيزة، لكننا قد نتساءل: هل نوفيه حقه حقًا؟ وماذا نغنم بالفعل من هذا الشهر المبارك؟ تلك هي الأسئلة التي نتناولها في هذا المقال.

ونبدأ بهذا السؤال: كيف نجعل من هذا الشهر الفضيل فرصة ذهبية لتجديد صلتنا بالله من خلال القرآن?

ما الآيات التي تشهد بنزول القرآن في رمضان؟

كما سبق أن ذكرنا، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن القرآن أُنزل من اللوح المحفوظ، الذي في السماء السابعة، إلى السماء الدنيا في ليلة مباركة من شهر رمضان المبارك، هي ليلة القدر. وتشهد لذلك آيات متعددة، كما تشهد له الأحاديث الآتية:

"إنا نحن أنزلناه في ليلة القدر."  سورة القدر، الآية 1

"إنا أنزلناهفي ليلة مباركة إنا كنا منذرين." سورة الدخان، الآية 3

"(وأنزلنا قرآنًا فرقناه أجزاءً لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلًا." سورة الإسراء، الآية 106

"(تلك الأيام هي) شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون. سورة 2, الآية 185

"نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل. سورة آل عمران، الآية 3

لقد اختار الله، جل جلاله، هذا الشهر ليكرمنا بهذا الكتاب، وبهذا الهدى والنور للناس أجمعين.

فهل ندرك ذلك حق الإدراك؟

القرآن، الرسالة الأخيرة إلى البشرية

قبل أكثر من ألف عام، خاطبنا رب العالمين في هذا الشهر المبارك بواسطة الملك جبريل عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم. فوهب كلمته للبشرية هدى وشفاء ورحمة وفرقانًا إلى يوم الدين.

وللمرة الأخيرة إلى قيام الساعة، وجّه الله إلينا كلمته، وهذا جانب مما نحييه في هذا الشهر الفضيل. فعندما يمسك أحدنا بالمصحف، أي بنسخة من القرآن، فإنه لا يحمل كتابًا عاديًا، بل كلام الله الذي أنزله إلى البشرية قبل أكثر من 1,400 عام. رمضان ليس مجرد فرصة للإكثار من تلاوته في قيام الليل؛ بل هو فرصة لنعيش هذه الحقيقة من جديد، ونفهم الرسالة الإلهية فهمًا أعمق: فلن يخاطب الله البشرية بعد هذه الرسالة القرآنية برسالة أخرى!

إنه رابطنا المقدس به!

فلن تأتي بعد اليوم رسالات جديدة ولا شرائع جديدة لتصحح ما يقع منا ومن الأمة من تقصير.

إن القرآن كلامه، وقد أُنزل ليعلّمنا قيمنا وشعائرنا، ويقدم لنا حلولًا عملية لأدواء قلوبنا وحياتنا، إلى يوم القيامة.

رسالة أخيرة أُنزلت من السماء وأُوحي بها إلى خاتم النبيين لهداية البشرية: ذلك هو القرآن!

فلنصغِ في رمضان إلى ما يريد الله أن يقوله لنا، وإلى ما يأمرنا به وما يدعونا إلى الاهتمام به. ولنَعِش ذلك في كل قيام ليل، وعلى امتداد أيام صيامنا، تلاوةً وصلاةً، لنستمد في كل مرة النور الذي نحن أحوج ما نكون إليه: نوره سبحانه.

حين نقرأ بالقلب لا باللسان وحده، نكتشف الآيات في كل مرة على نحو مختلف يمسنا شخصيًا. وقد نزل القرآن منجمًا وفي سياقات متنوعة، ليعين الناس في الوقائع التي كانوا يعيشونها. لذلك ينبغي أن نتدبره ونفهمه في ضوء التفاسير، وكذلك في ضوء همومنا الخاصة، حتى نجعله رفيق العمر، لا مجرد شاغل في رمضان.

فلنسأل أنفسنا الأسئلة الصحيحة:

  • هل فهمت أن الله يخاطبني كما يخاطب البشرية كلها
  • هل استوعبت المقطع الذي قرأته للتو أو ما تعلمته
  • كيف أجعل للآيات التي أمام عيني أثرًا حقيقيًا في داخلي؟

هل نلتزم بأدب التلاوة الذي يتيح لنا أن نجني منها أعظم الفوائد؟

  • هل اعتزلت الشواغل لأقرأ في سكينة وأغوص في كلام الله
  • هل تهيأت للقراءة كما يتزين المرء بأجمل ثيابه لموعد مهم
  • هل عقدت النية في قلبي أن أطلب البصيرة الواضحة من خلال كلامه

هل نتعامل مع تلاوتنا بالوعي المطلوب، أم نقرأ بانسياب وسرعة حتى تفوتنا لآلئها؟

  • حين أمر بدعاء، هل أتوقف فأرفع يدي إلى السماء وألح على الله أن يستجيب لي (أم أفعل ذلك في قلبي فحسب)
  • وحين أمر بآيات النار، هل أستعيذ بالله منها
  • وحين أقرأ مقاطع عن الجنة، هل أتوقف لأسأله إياها بصدق؟

قد تبدو القراءة على هذا النحو مبالغة، لكنها في الحقيقة هي الدعوة الموجهة إلينا كلما أخذنا القرآن بأيدينا، سواء كان مصحفًا بلغته الأصلية، أو ترجمة أمينة للنص كاملًا، أو تطبيقًا رقميًا. وسواء قرأنا في رمضان أو خارجه، فإن الذي بين أيدينا هو كلام الله، جل جلاله، يخاطبنا به.

إن القرآن خير وسيلة نملكها للتواصل مع أثمن ما في حياتنا: الله!

فالله يدعونا ويخاطبنا، ويأمرنا بالتفكر والتدبر ومحاسبة النفس والذكر. يحثنا على اتباع هداه، وينهانا عما يُذم، ويرشدنا إلى ما يصلح. وكلامه كافٍ ليرسم لنا منهج سلوكنا وأهداف حياتنا، ويهيئنا لحياتنا الحقيقية.

"وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون. سورة العنكبوت، الآية 64

إن تلاوة القرآن في رمضان دعوة إلى اتصال عميق بخالقنا. ولكل من يريد المسارعة في الخيرات والاقتراب من الصراط المستقيم الذي يدعونا الله إليه، من غير أن يشرك به شيئًا، فقد حان وقت تجديد الصلة بالرب من خلال كلامه، القرآن.

هدف هذا العام؟ تحسين صلتي بالله من خلال القرآن

بهذه الإرشادات القليلة المعينة على محاسبة النفس، يستطيع كل واحد منا أن يحسن علاقته بربه بمجرد أن يغير طريقة قراءته للقرآن الكريم.

  1. فالتهيؤ البدني (بالتجمل لله) والوجداني (بعقد النية على ابتغاء الأجر والقرب من الله) قبل القراءة يضعنا في أفضل حال لتلاوة مثمرة
  2. وزيادة التركيز في أثناء التلاوة لفهم معاني الكلمات والآيات
  3. والتوقف للتدبر والدعاء خلال القراءة، حتى أتصل حقًا بالله الذي أناجيه، وأسأله، وأستغفره، وأرجو رحمته..

ومع مرور الوقت، تسمو الأهداف. وتظل الغاية دائمًا التقرب إلى الله بقراءة كلامه وتلاوته وتعلمه، والخروج من القراءة وقد تبدلت النفس واطمأن القلب.

لقد أُنزل القرآن لمقاصد محددة، منها تحصيل التقوى ومعرفة ربنا ونِعَمه علينا. ومن المؤكد أن قراءة متعجلة، ولو شملت عددًا كبيرًا من الآيات، لن تترك في قلوبنا أثر قراءة آية واحدة بنية صادقة وقلب متدبر، يتوقف ليمجد ربه.

بين شؤون الأسرة والعمل، لا تتيح لنا الحياة اليومية دائمًا لحظات هادئة لتلاوة القرآن وتدبره. ويمكن لمن تزدحم أوقاتهم، مثلًا، أن يختاروا القراءة ليلًا أو في الصباح الباكر جدًا، ولو مع ركعات قليلة، طلبًا للتركيز في الآيات ومعانيها بدل المرور السريع على مقاطع طويلة.

والخلاصة التي ينبغي تذكرها أن رمضان فرصة ذهبية تذكرنا بأن الله ترك لنا وسيلة فريدة لنتعرف إليه. فمن خلال كلامه، ترك للبشرية سبيلًا للاتصال به ودعائه، ومعرفة ما يحب وما يكره، وما ينتظره منا.

ليتنا نخصص وقتًا أطول لقراءة القرآن الكريم.

نسأل الله أن يرزقنا ذكره بقراءة كلامه في هذا الشهر المبارك وخارجه، وأن يوفقنا لاتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ونسأله أن يجعل رمضان هذا سببًا في حبنا لتلاوة القرآن الكريم وآياته، وأن يحيي فينا رسالة الله، فنجد فيها أجوبة أسئلتنا ونفهم معنى حياتنا، وأن يدخلنا بفضله الجنة.

هل أعجبك هذا المقال؟ علّق وشاركه، جزاك الله خيرًا.