أن تكون مسلمًا يعني أن تؤمن بالله خالق الكون، وأن تلتزم بطاعته وعبادته كما يستحق، رجاء لقائه في رحمته الواسعة. فالإيمان بالله شيء، ومعرفة الله التي تمكّن المرء من أن يحيا عابدًا له، ممتثلًا أوامره، شيء آخر. فما الذي يدفع المسلم إلى العمل ومواءمة حياته مع طاعة الرحمن؟ قد تتضافر عناصر كثيرة في ذلك، غير أن ثمة علمًا حاسم الأثر وميسور المنال في هذه الرحلة.
ما معرفة الله؟ وكيف تُكتسب؟ هذا هو موضوعنا اليوم.
تعريف معرفة الله
هي فعل عقلي يسعى به المسلم المؤمن إلى إدراك من هو خالقه، وتعلّم معرفته بقصد عبادته. وهي أعظم صور العبادة، وأساس كل طاعة يُفترض أن تؤدى ابتغاء مرضاة الخالق وحده. وهي أول واجب على المسلم في الأرض، إذ تمكّنه من:
- تحقيق التوحيد
- محبته
- معرفة كيفية عبادته
- تزكية القلب والنفس
القرآن أفضل سبيل إلى معرفته
لكي نعرف الله وما يليق به، سبحانه ذو الجلال والإكرام، لا بد أن نبحث في كيفية تعريفه نفسه للبشرية، والقرآن هو سبيلنا إلى ذلك!
فبدراسة القرآن، تُمنح معرفة الله لمن يتدبر:
- حديث الله عن نفسه وعن بعض أسمائه وصفاته، ولا سيما في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن لما تشتمل عليه من كمال معرفته. ثم تزيد الأسماء والصفات التي سمّى ووصف بها نفسه تفاصيل كماله بيانًا في كل آية:
هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. سورة 59، الآية 24
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون. سورة 7، الآية 180
قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلًا. سورة 17، الآية 110
- الأوامر الإلهية والمواعظ والتوجيهات التي تعرّفنا كثيرًا بما يريده منا، وما يحبه ويبغضه، وما يحذرنا منه، وغير ذلك
- قصص الأنبياء، ووصف الجنة والنار، وغير ذلك مما يعرّفنا بخلقه وإرادته وتفاصيل اللقاء به الذي قضاه
يرى ابن القيم أن الرسالة النبوية كلها، من أولها إلى آخرها، لا تنطوي إلا على غاية واحدة: معرفة الله!
الفاتحة: معرفة رب العالمين في 7 آيات
السورة التي لا تُقبل صلاتنا من دونها عرض فريد لأسماء الله وصفاته، مرتبة ترتيبًا محكمًا.
تتعاقب الأسماء الأربعة بمنتهى الاتساق:
- الله، وهو أول اسم يرد في هذه السورة في الآية الأولى، ويشتمل وحده على سائر أسماء الله وصفاته.
- الرب، وهو الاسم الذي يتربى به المؤمن على عبودية ربه؛ فيحمده ويقر بحاجته إليه، مع استغنائه سبحانه عن كل أحد.
- الرحمن والرحيم والملك هي الأسماء الـ3 الأخرى الواردة في سورة الفاتحة، وتبيّن كيف يظهر معنى الربوبية: فهو ربنا ورب العالمين، ومن ثم يُفهم هذا الاسم بمعنى أنه الحافظ، اللطيف، الرحمن الذي يرحمنا في كل لحظة، وستدوم رحمته أبدًا لأنه الرحيم واسع الرحمة، وهو أخيرًا ملك يوم الدين.
معرفة الله من خلال معرفة أسمائه وصفاته
إن علم أسمائه وصفاته علم جليل لا غنى عنه للمؤمن الذي يريد عبادة خالقه بإخلاص.
لله أكثر من 99 اسمًا وصفة، وعددها الحقيقي يفوق تصورنا. ومن أحصى 99 منها وعمل بمقتضاها دخل الجنة بإذن الله، كما وعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله 99 اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة." رواه مسلم
والدليل على أن أسماء الله لا تنحصر في 99 اسمًا وارد في هذا الدعاء النبوي الجليل:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال:
-اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي- إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجًا."
فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها."
إن تعلم علم أسماء الله وصفاته لا يعني مجرد حفظها، بل معرفتها بوصفها سبيلًا إلى:
- معرفة ربنا على نحو أفضل
- دعائه بأسمائه
- أداء العبادات بمقتضى أسمائه (كمحبة الودود، وفعل ما يستجلب رحمة الرحمن، وتجنب ما يستجلب غضب شديد العقاب، وغير ذلك)
يقول ابن مسعود رضي الله عنه إن معرفة الله هي العلم الحق؛ فهي المعرفة التي تنعكس على أعمالنا، وتجعلنا أفضل، وتغيّرنا حتى نبلغ التقوى: خشية الله التي تحملنا على طاعته، وترك الأعمال المذمومة التي يبغضها، والاجتهاد في سبيله بالأعمال الصالحة رجاء لقائه وهو راض عنا.
التقوى هي أن نستشعر أن الله يرانا ويراقبنا في جميع أعمالنا. وتجعلنا هذه المعرفة ندرك أنه يسمعنا حين نناجيه أو نفكر، وأننا نخشاه ونحبه سواء كنا بمفردنا أم مع جماعة؛ وينعكس ذلك على سلوكنا.
ولا يتحقق هذا الوعي إلا إذا تعلمنا معرفته.
القلب السليم، الغاية القصوى من معرفة الله
طلب معرفة الله هو طلب تقوية إيماننا ويقيننا الديني. وهذه المعرفة بالله الراسخة أصل إحساننا في العبادات وغاية إيماننا، لأنه سبحانه خلقنا لعبادته.
"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. سورة 51، الآية 56
إن معرفة الله تدفع المرء إلى تطهير قلبه من كل ما يثقله من عيوب وشوائب وأمراض. وهي تنشئ أسمى المشاعر، وترسم المسار الروحي لقلب متجه إليه، فتقود إلى:
- محبته،
- وخشيته،
- ورجاء ما عنده ومنه،
- والعمل من غير أن نشرك به شيئًا في خوفنا ومحبتنا وتعظيمنا، والإخلاص في السعي إلى لقائه وهو راض عنا ودخول جنته.
.الخاتمة
أجمع العلماء على أن أهم ما يزيد الإيمان هو معرفة الله. فهي أجل العلوم لما لها من منافع في حياة المؤمن. والاشتغال بها اشتغال بالغاية التي خلقنا الله سبحانه من أجلها.
فالإيمان الحق بالله لا يقتصر على كلمة، بل يقتضي أن يعرف العبد ربه من خلال أسمائه وصفاته الواردة في القرآن الكريم.
وذكر الله يحفظ هذا التوحيد وهذه المعرفة بالله، بأن نذكره على امتداد أيامنا وحياتنا، فنخلص له وحده (الإخلاص) ونزداد إيمانًا.
ولنتذكر أن الجنة لا يدخلها إلا صاحب قلب سليم، قلب مفعم بمعرفة الله، مطمئن بذكره، مطهر من كل مرض وضغينة وكراهية.
نسأل الله أن يرزقنا هذه المعرفة وهذا القلب المفعم بالتوحيد. آمين
لا تترددوا في مشاركة هذا النص مع من حولكم لتشاركونا أجره وثوابه.