إن الإقرار بكون وحدانية الله، وهذه العقيدة الخالصة التي هي التوحيد، ذات الأهمية البالغة للمسلم، ينبغي أن تُفهم فهمًا شاملًا لبلوغ التوحيد الخالص والابتعاد عن كل صور الشرك. ومن دون هذا الفهم والقبول الصادق لصفات الله وقدرته، قد يقع أي مؤمن، ولو من غير قصد، في إنكار المبادئ الإسلامية التي تجعله عبدًا يسعى إلى رضا خالقه.
فكيف نفهم التوحيد؟ وما معناه وما الذي يشمله حقًا؟ هذا ما سنتناوله في هذا المقال.
تعريف التوحيد
يُعد التوحيد أصلًا من أصول العقيدة الإسلامية، يقر فيه المؤمن بأن الله إله واحد أحد. ويترتب على ذلك الاعتقاد والشهادة بأن الله واحد لا شريك له، وعبادته وفق أقسام التوحيد الثلاثة:
الإيمان بالله في:
- ربوبيته: توحيد الربوبية
- عبادتنا له من غير أن نشرك به شيئًا أو نجعل له ندًا: توحيد الألوهية
- أسمائه وصفاته: توحيد الأسماء والصفات
ولنعد الآن إلى كل قسم من هذه الأقسام.
1)
حين يدخل المؤمن في الإسلام فإنما يدخل لإقراره بأن الله ربه. فهو يوقن بقلبه وعقله أن الله هو الذي خلقه وخلق كل ما في الكون. ويؤمن به، ويعلم أنه رازقه والمدبر لجميع شؤون المخلوقات في الأرض والسماوات، كما يؤمن برجوعه إليه يوم القيامة.
وهذا إيمان لم يكن المشركون أنفسهم ينكرونه، حتى في زمن النبيين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ فقد كانوا يقرون بأن الله هو الإله، لكنهم يجعلون له شركاء يتوسطون لهم مثلًا.
2)
وبإيمانه بربوبية الله يقر المسلم بأن الله وحده المستحق للعبادة، وهذه هي القضية التي قامت عليها الخصومات الدينية على مر العصور. ولهذا كان أهل مكة في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يضطهدون الحبيب بلا هوادة؛ إذ لم يريدوا التخلي عن آلهتهم.
وبهذا الأصل من توحيد العبادة يقر عباد الله بأنه سبحانه وحده الذي يجب:
- أن يحبوه أشد من كل شيء ومن كل إنسان
- أن يخافوه أكثر من أي أحد
- أن يعبدوه من غير أن ينسبوا إلى أي شخص أو شيء قدرة مستقلة
- أن يطلبوا منه العون
- أن يوقنوا فيه بحسن مآل أمورهم، فهي بيده
- أن يلجؤوا إليه ويطلبوا حمايته
- أن يرجوا منه وحده الخير والتوفيق، وبفضله وحده
الإيمان بالله بتوحيد لا تشوبه شائبة هو أن نوقن بأنه لو اجتمع الناس كلهم ليضرونا لم يستطيعوا، ولو اجتمعوا ليجلبوا لنا نفعًا لم يستطيعوا! فما يصيبنا من ضر أو يأتينا من خير لا يكون إلا بمشيئته.
والخوف من سخطه أعظم من الخوف من أي ضرر في الأرض، فيبذل المرء وسعه في عبادته حتى لا يُعرض عنه.
إذا طلب المرء العون طلبه منه، وإذا سأل سأله، ولا يجد السكينة إلا في قربه، ولو كان وحده في مواجهة الجميع.
والتوحيد أن تتجه إليه في كل حال ومناسبة ووقت، موقنًا بأنه وحده القادر على كل شيء والعالم به.
3)
وبإقرار المسلم بهذه الأصول يدرك أنه لا يبلغ التوحيد الخالص حقًا إلا بمعرفة الله. فكيف يحب من لا يعرفه؟ وكيف يلجأ أو يستعين بمن لا يدرك تمام قدرته؟ ولله المثل الأعلى!
فالتوحيد أيضًا هو الإقرار الصادق بأن لله الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه لا يماثله شيء ولا أحد يمكن تصوره، فلا يُشبَّه بالبشر.
وأي سبيل إلى معرفته أفضل من القرآن؟
التوحيد في القرآن
فيما يلي بعض الآيات التي تتضمن أصول التوحيد:
توحيد العبادة
- سورة هود 11، الآية 123
- سورة الزمر 39، الآية 66
توحيد الربوبية
- سورة آل عمران 3، الآية 26
- سورة الأنفال 8، الآية 17
- سورة الأعراف 33، الآية 54
توحيد الأسماء والصفات
- سورة الإخلاص 112، الآية 1
- سورة العنكبوت 29، الآية 22
توحيد الربوبية
- سورة الكهف 18، الآية 110
توحيد العبادة
- سورة لقمان 31، الآية 22
توحيد الأسماء والصفات
- سورة فاطر 35، الآية 2
توحيد الربوبية
- سورة الزخرف 43، الآية 84
تطبيق التوحيد عمليًا
وخلاصة القول أن التوحيد إصلاح للقلب حتى لا ينتظر شيئًا من أحد، لأن جميع حاجاتنا تأتي من الله، وعنده جواب كل مسائلنا.
وهو أن يقدم المرء رضا الله على رضا نفسه، وأن يعبده كأنه يراه. فإذا رسخ التوحيد في النفس لم يطع الجسد إلا الله، وخضعت الجوارح كلها لعظمة خالقها وقدرته.
ومتى صلح القلب بفضل التوحيد الخالص، لم تتجه النيات إلا إلى طلب الرضا الإلهي، أي رضا الله وحده، من غير خوف من أحد، ولا انتظار من أحد، ولا محبة تعلو على محبته.
ويصبح الله عز وجل محور حياتنا، ويدور برنامجنا كله حول طاعته، لا العكس. فلا نعود نحشر صلواتنا وعباداتنا في وقت يلائم مصالحنا المادية، ولا يزعج من نظنهم أعلى منا وهم بشر مثلنا.
وحين يُفهم التوحيد لا يخشى المؤمن أن يعرف أحد عيوبه أو يكشفها، لأنه يعلم أن الله يعرفها أيضًا، ولا يمكن أن يكون أحد في عينه أهم منه سبحانه. وإنما يخاف أشد الخوف ألا يقبل الله عبادته بسبب عيوبه، فيسعى إلى إصلاحها حبًا له.
وعندئذ يحتل الله في القلب المنزلة التي يجب أن تكون له دائمًا، وهو عليها سواء أردنا أم لم نرد: فوق كل خوف ومصلحة ومحبة ورغبة.
رزقنا الله توحيدًا صادقًا. آمين!
الشرك، أعاذنا الله منه
إن الذنب المخوف الذي لا يُغفر لمن مات عليه، وهو الانحراف عن توحيد الله، يسمى الشرك بالله، وله صور متعددة:
- الشرك في الدعاء: وهو جعل شركاء مع الله عند دعائه وسؤاله والتوجه إليه بالعبادة
- الشرك في الطاعة: ويكون بطاعة غير الله في العبادة، كعبادة عيسى ابن مريم، أو كما بينت الآية 31 من سورة التوبة، بطاعة الأحبار والرهبان في معصية الله. قال تعالى: «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابًا من دون الله، مع أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة إله واحد. لا إله إلا هو! سبحانه وتعالى عما يشركون».
- الشرك في المحبة: «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله». الآية 165 من سورة البقرة 2
- الشرك في النيات والإرادات: وهو أن يريد المرء غير رضا الله، وأن يجعل له مقصدًا نهائيًا غير لقاء ربه يوم القيامة وهو راض عنه. أعاذنا الله من ذلك، فقد قال سبحانه: «من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون». الآية 15 من سورة هود 11
خاتمة
إن التوحيد هو الاعتقاد الصادق الخالص الذي يدفعنا إلى أن نعرف الله معرفة أفضل كي نعبده حق العبادة.
وهو تحقيق التوحيد الخالص والإقرار بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، مما يثمر في حياة المؤمن سعادة وطمأنينة في القلب.
إنها حياة طيبة بذكر الله في كل حال، وهل من سبيل أجمل وأروع لعبادة الله ومحبته من الاعتصام بالقرآن؟
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا هذه السعادة الدنيوية بتلاوة القرآن وتعلمه، وأن يرزقنا الفردوس في الآخرة مع عباده المخلصين. آمين
شاركوا هذا المقال لتحصدوا أكبر قدر من الحسنات من حولكم !