حين نبحث عن الغاية من عبادة ما، فأين نجد جوابها إن لم نجده في كلام الله تعالى؟ الصيام، كالصلاة، شُرع لنا في القرآن الكريم لغاية محددة. فلنتأمل الأسرار الكامنة في هذه العبادة التي علّمها الله لنبيه وعباده، في وقت يميل فيه بعض الناس اليوم إلى اختزالها في عادة ثقافية لبلدان المغرب والمشرق.
لماذا نصوم؟ هذا هو السؤال الذي نطرحه في هذا المقال مع اقتراب شهر رمضان المبارك.
الصيام: شريعة منذ فجر التاريخ
يخبرنا الله في آيات عدة من سورة البقرة أنه فرض علينا صيام شهر رمضان لحِكَم محددة:
الغاية 1: بلوغ التقوى
يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون(...)" الآية 183، السورة 2
فالأمر ليس مستحدثًا؛ إذ كان الصيام دائمًا عبادةً من عبادات التقوى شرعها الله للأمم السابقة في الشرائع الأخرى، وكانت غايته واحدة على الدوام: أن يتقي الناس ربهم ويخشوه.
ترجع كلمة «التقوى» في العربية، ضمن ما ترجع إليه، إلى «الوقاية»، أي الحماية وصون النفس من شيء ما.
وهكذا يخبرنا الله أنه فرض علينا الصيام لنقي أنفسنا!
التقوى أن نعبد الله ربنا ونحن نستشعر مراقبته لنا، وأنه يرى كل أعمالنا، ولا يخفى عليه شيء مما نصنعه بالناس أو بأنفسنا، ولا مما تضمره قلوبنا، ولا عيوبنا وأخطاؤنا، ولا مدى سعينا إلى إصلاحها. ومن ثم فإن الصيام وقاية للمرء من الضرر الذي يلحقه بنفسه أو بغيره حين يستحضر دائمًا أن علم الله محيط بأعمالنا وأفكارنا ونوايانا وطموحاتنا كلها. فهو يعلم ويرى ما نفعله وما نتركه، وما ننظر إليه ونسمعه ونقوله ونفكر فيه ونشعر به.
وهو سبحانه، صاحب العزة والجلال، يريد أن يقينا من ذلك حين يأمرنا بالصيام.
الغاية 2: استشعار شكر الله
لنتذكر أن الصيام فُرض علينا لنشكر ربنا على هدايتنا إلى صراطه، ونكون من الشاكرين. غير أن نمط الحياة الذي نعيشه، ونكابده أحيانًا، يبعدنا شيئًا فشيئًا عن استحضار عظمة الله وفضله علينا بالهداية.
لقد أذن لنا أن نكون مسلمين وأن نبقى على الإسلام، وهذه نعمة ينبغي استحضارها وحفظها في الوعي حتى نبلغ شكره سبحانه.
في زمن شاع فيه الحديث عن الامتنان، وبدأ كثيرون يبتكرون تقنيات وحيلًا لاستشعار نعمة الحياة والصحة، كأن ذلك أمر جديد، طلبًا للراحة النفسية؛ يحسن بنا أن نتذكر أن الله أمر البشر، منذ أوائل الناس والأنبياء، بأن يذكروه دائمًا ويشكروه.
فالصيام، ولا سيما صيام شهر رمضان المبارك، عبادة شكر وتقوى قبل كل شيء.
ولكن ليس في شهر رمضان !
وحده؛ فصيام هذا الشهر المبارك، الذي يراد منه أن يبلغ بنا التقوى والقرب من الله، وأن يذكرنا به ويعيننا على تعظيمه، ينبغي أن يكون منطلقًا لبقية العام، لا غاية تنتهي بانتهائه.
كم من أشهر الصيام مرّت بنا من دون هذا البعد الروحي؟ وكم من رمضان انقضى من غير أن نتذوق ثماره في بقية العام؟
صيام رمضان: تدريب مكثف لأهل الثبات!
إنما ينبغي أن نأخذ صيام شهر رمضان المبارك مأخذ الجد لأنه يدرّبنا على صون جوارحنا من المعاصي. فبلوغ التقوى أو التحلي بالشكر لا يمكن أن يكون مطلوبًا في شهر واحد من السنة فحسب.
والتقوى التي نسعى إلى تحصيلها والمحافظة عليها في هذا الشهر هي عينها التي ندرّب أنفسنا على التزامها فيما بقي... من حياتنا! رزقنا الله وإياكم إياها!
يظل جسدنا أشهرًا، إن صح التعبير، منقادًا لرغباته اليومية. فإذا كان المسلم يبذل كل ما يستطيع لصون لسانه عن الفحش والكذب وغيرها من الآفات الخطيرة كالغيبة، فكيف يكون شأنه خلال شهر الصيام رمضان؟
>>يجتهد في حفظ لسانه خشية أن يفسد صومه.
وكذلك، ماذا عن الذهاب إلى أماكن محرمة أو مصاحبة أناس يمارسون سلوكيات لا تنسجم مع أوامر الله ورسوله؟
>>يجتنب المسلم كل مكان فاحش وكل صحبة تضر بإيمانه وصيامه، ويهجر السلوك السيئ والأفعال المذمومة.
كل ذلك إن التزم به... ولم يبدد ثواب صيامه بالغفلة، كما جاء في الحديث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر». رواه الطبراني
أي إن هؤلاء لم يستوفوا شروط الصيام التي ذكرناها، كاجتناب الأفعال المذمومة، أو إن قيامهم لليل لم يكن خالصًا لله وحده، أو لم يتحقق فيه الخشوع المطلوب.
ومن ثم فإن صيام شهر رمضان المبارك تدريب على حفظ اللسان والقدمين واليدين، وفوق ذلك كله حفظ القلب.
ولا يصح أن تنهار هذه الثمار بمجرد انقضاء شهر الصيام!
المسلم الذي يصوم هذا الشهر المبارك يشبه إلى حد ما الخريج بعد نيل شهادته، أو الرياضي عند بلوغ خط النهاية؛ إذ يحتفي كلاهما بالثمرة.
وكذلك يحتفل المسلم في ختام شهر الصيام بالعيد كما ينبغي، شاكرًا الله أن وفّقه لقضاء أيامه في الصلاة والذكر والثناء وتلاوة القرآن والشكر، وأن يسّر له حضور صلاة التراويح جماعةً في المسجد.
فهل يعمل الخريج، بعد حصوله على الشهادة، بعكس ما تعلمه لتوه؟ للأسف، يفعل ذلك كثير منا، وربما من غير أن يشعر.
الصيام، بعبارة أخرى، إمساك عن الطعام والشراب والعلاقة الزوجية وسائر الحاجات الجسدية حبًا لله وطلبًا للقرب منه. والله هو الغني المطلق، لا يحتاج إلينا ولا إلى شيء؛ فإذا أخلصنا له صيامنا، فليس معنى ذلك أن منفعةً تعود عليه سبحانه.
ولكن لما كان الصيام يتطلب منا جهدًا لضبط حاجاتنا ورغباتنا الجسدية والفسيولوجية والنفسية صار عملًا شريفًا عظيم الأجر.
وضبط النفس هذا هو المقصود في رمضان، وينبغي تنميته لننتفع به طوال ما بقي من العام. وبدل أن نقف عند كوننا نصوم لله، يجدر بنا أن نركز على ما يعلمنا إياه في القرآن:
أيامًا معدودات؛ فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرًا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون !
الآية 184، السورة 2
إنها نعمة عظيمة يمنّ الله عز وجل بها علينا ليطهرنا ويصلح ديننا وسلوكنا ويرفع درجاتنا عنده؛ فالحياة مليئة بالعقبات، والشيطان لا يكف عن امتحان صبر المتقين. ومن الجدير أن نعرف لماذا شُرع الصيام حتى نتعلم كيف ندرّب أنفسنا على مزيد من الثبات؛ فإن الله يحب الصابرين حقًا.
وسنتناول جوانب أخرى من الصيام في مقالات أخرى، سائلين الله أن يجعلنا من الصابرين، وأن يبلغنا التقوى في رمضان هذا وما بعده، حتى نمضي عامًا كاملًا في عبادة تقربنا كل سنة من ربنا بثبات أشد. آمين
اكتب تعليقًا على هذا المقال وأخبرنا برأيك فيه! يسعدنا أن نجيبك.