كيف يتحدث الله عن الحب في القرآن؟

Allah

الحب، ذلك الشعور المتقد المتأصل في قلب الرجل والمرأة، والذي أضفت عليه الأعمال السينمائية والأدبية طابعًا مثاليًا، هو القوة المحركة وراء كثير من الدوافع. وسواء اتجه إلى شخص أو إلى متاع الدنيا، فإن الحب، بوصفه مصدرًا للتوازن في حياة البشر، يثير نقاشات حامية؛ إذ قد يبني قصصًا رائعة مثلما قد يدمر حيوات.

يتحدث الله، جل جلاله، عن الحب في القرآن، وهو أعلم بخلقه من أنفسهم. فكيف يذكره؟ هذا هو موضوع هذا المقال.

محبة الله

يخبرنا الله في القرآن أنه الودود. وهذه صفة من صفات الرب يشرحها العلماء على النحو الآتي: بخلاف محبة البشر المفعمة بالتوقعات، فإن الله، جل جلاله، غني عن العالمين، لا ينتظر من أحد شيئًا. فهو الذي لا يحتاج إلى شيء ولا إلى أحد، وإليه تفتقر الخلائق كلها. وقد يمنح ربنا وُدَّه لعباده من غير أن يكونوا قد فعلوا شيئًا يستحقونه به. وحتى لو تحلينا بكل الصفات التي يريدها منا (وفي ذلك خيرنا!)، فلن يكون ذلك حقًا واجبًا لنا عليه، بل فضلًا يمنحنا إياه عن محبة.

سورة 11، الآية 90 (…)"واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود."

من اليسير أن نعرف ما يريده الله منا.

فما الصفات التي يريدنا أن نتحلى بها؟ وكيف نرجو أن نكون ممن يحبهم؟ ما علينا إلا أن نقرأ القرآن الكريم قدر استطاعتنا:

  1. يذكر سبحانه في القرآن ثلاث مرات أنه يحب المتقين.

سورة 3، الآية 76 (…) بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين.

  • ويقول جل جلاله خمس مرات على الأقل إنه يحب المحسنين

سورة 3، الآية 148 "فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين.

  • ثم يقول تعالى إنه يحب المقسطين، الذين يحكمون بالعدل

سورة 5، الآية 42 (…)إن الله يحب المقسطين.

  • ويحب التوابين ويحب المتطهرين

سورة 2، الآية 222 (…) إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين."

  • ويحب المتوكلين عليه

سورة 3، الآية 159 (…) فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين.

  • ويحب الصابرين الثابتين.

سورة 3، الآية 146 (…)والله يحب الصابرين.

وأخيرًا، يؤكد الله أنه سيجعل وُدًّا للذين آمنوا وعملوا الصالحات. فكيف لا نلبي نداءه؟

سورة 19، الآية 96 "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدًّا.

محبة المؤمنين

كيف لا نحب من أودع فينا الدعوة إلى محبته ومعرفته واتباعه على الصراط المستقيم الذي يقود إلى لقائه يوم القيامة، وجزاؤه النعيم المقيم في جنته؟

سورة 5، الآية 54 "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.

محبة المؤمنين لله محبة شديدة، يذكرها الله في مقابل حال الذين يتخذون من دونه أندادًا، سبحانه.

سورة 2، الآية 165 "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله.

ويُذكر حب الأنبياء، مثل زكريا وزوجه وابنهما الصالح يحيى، في توازن بين الرغبة والرهبة. وكانت هذه من خصالهم التي أبرزها الله لتكون لنا قدوة.

سورة 21، الآية 90   فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين.

الحب الفطري لدى البشر

يدعونا الله إلى التقرب إليه بالتقوى والإحسان والعدل والثبات على سبيله والتوكل عليه. وما أكثر السبل التي نخلص بها العبادة له، بعيدًا عن كل ما قد يبعدنا عن محبته. ومع ذلك فهو أعلم بنا؛ لأنه خلقنا ويعلم ما أودعه فينا من حب للمخلوقات ومتاع الدنيا.

والثبات على سبيله يقتضي تحديدًا مجاهدة هذا الانجذاب والحب الفطري لجمال الدنيا وزخرفها، وتقديم محبته ومغفرته اللتين ينبغي أن نطلبهما بشغف طوال حياتنا.

وذكر الله ومحبته هما الحصن من هذه «النفس الأمارة بالسوء» التي يجب أن نضبطها ونقضي حياتنا في تهذيبها. وقد تجسد هذا الصراع مع معصية الرب، الذي تحرض عليه نفس تتعلق في يأس بغيره، خير تجسيد في قصة المرأة التي نطقت بهذه العبارة فعلًا. فقد عشقت امرأة العزيز، وزير مصر، من نشأ خادمًا في بيتها وكأنه ابنها، حتى تجاوزت كل الحدود.

                سورة 12، الآية 53وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي […].

سورة 12، الآية 30 "وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًا إنا لنراها في ضلال مبين."

وهكذا زيّن الله للناس حب بعض الشهوات، كما ذكر في هذه الآية:

سورة 3، الآية 14 "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب.

وبالمثل، يحثنا على ألا نقدم حب الممتلكات على محبتنا له واتباع توجيهاته. فقد يمنع بريق الحياة الدنيا الزائف المؤمن من بذل ماله والتصدق إن لم يجاهد نفسه. ويوضح الله أن ما يعيق سعيَنا في سبيله هو حب الدنيا وما فيها.

ويبين جل جلاله للمحسنين حقيقة البر: أن يبذل المرء مع حبه للمال، فيجاهد بذلك شحه:

سورة 2، الآية 177  "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه، ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون. 

سورة 76، الآية 8 "ويطعمون الطعام على حبه، مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا،

ثم يكشف الله تعالى في سورة الفجر أن الإنسان يطغى حين يبتليه ربه فيكرمه وينعمه، وييأس حين يبتليه فيقدر عليه رزقه. والحقيقة أن أصل المشكلة هو حبه الجامح لهذه الأموال، وهو ما يفضي به إلى الهلاك وسوء الاختيار:

17 كلا بل لا تكرمون اليتيم؛

18 ولا تحاضون على طعام المسكين،

19 وتأكلون التراث أكلًا لمًّا،

20 و تحبون المال حبًا جمًّا.

وفي سورة العاديات يتحدث الله عن حب يصفه بالشدة. أما الحب الشديد لله فهو حب المؤمنين!

سورة 100، الآية 8 "وإنه لحب الخير لشديد.

الخاتمة

يقربنا كل يوم من لقائه، فلا نكونن من الذين أساؤوا الاختيار، حتى نستحق أن يمنحنا قربه ومحبته في كل لحظة من حياتنا.

إن اتباع أوامره المقدسة، مع تجنب الإفراط في التعلق بجمال الدنيا وصرف المشاعر إليه، يتيح لنا بلوغ هذا المقصد النبيل. وكذلك فإن اتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقودنا إلى إثبات محبتنا لله. ودليل ذلك هذه الآية:

سورة 3، الآية 33  "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم.

وإلى جانب اتباع سنة حبيبنا في العادات، ينبغي أن نركز جهودنا خصوصًا على الاقتداء بأخلاقه، فنحسن خصالنا ونتخلص من عيوبنا، لنصبح قدوة في الصلاح للأجيال المقبلة.

تهذيب أخلاقنا محبةً لله مهمة يومية. نسأل الله أن يجعلنا مؤمنين متواضعين رحماء فيما بيننا، أقوياء محترمين مع غيرنا، لنستحق نصره ومحبته. وللدار الآخرة خير للذين يتفكرون.

سورة 61، الآية 13 "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين.

شاركوا هذا المقال لتعينونا على نشر أكبر قدر ممكن من المحبة من حولنا :) !