“Merci”
ZohraJe suis heureux de présenter à nos visiteurs cette nouvelle version de Le-Coran.com. Elle conserve les fonctionnalités que vous utilisez déjà au quotidien, tout en apportant une interface plus claire, plus rapide... et mieux adaptée à la lecture sur mobile comme sur ordinateur.
Cette version corrige aussi le bug audio qui touchait ces derniers temps la récitation de Mishary Al Afasy. Nous sommes désolés pour le désagrément causé.
Plusieurs nouveautés ont été ajoutées : amélioration du design, lecture plus confortable du Coran, mode mushaf amélioré, tajwīd coloré, mot à mot, recherche enrichie, nouveaux outils d'apprentissage et de mémorisation, ainsi que des améliorations pour l'espace membre. La lecture Warsh est également en cours d'intégration et devrait arriver dans les prochaines heures ou les prochains jours. Il est aussi possible de signaler une publicité qui se serait échappée de nos filtres, et bien d'autres améliorations ont été apportées. Bien sûr, le tout reste 100% gratuit, comme depuis 13 ans maintenant, et pour toujours incha'Allah.
Tout va être testé et amélioré dans les prochains jours, et aussi les prochaines nuits, en fonction de vos retours. Si vous remarquez un bug, une gêne d'utilisation ou une amélioration possible, n'hésitez pas à nous contacter via le nouveau formulaire de contact.
Qu'Allah rende ce travail utile et bénéfique.
AL-MAIDAH · 74 versets · AL-MAIDAH 5:82 -> AL-ANAM 6:35
Le saviez-vous ? Touchez un verset ou un mot pour afficher ses options (écouter, traduction, marque-page…).
Une aumône qui ne s’arrête jamais.
Tant que vous soutenez Le-Coran.com, chaque verset lu, mémorisé ou écouté sur le site par des millions de personnes devient pour vous une sadaqah jariyah, une aumône dont la récompense continue.
« Quand l’être humain meurt, ses œuvres s’arrêtent, sauf trois : une aumône continue, une science utile, ou un enfant vertueux qui invoque pour lui. »Rapporté par Muslim
Rejoignez les 48 personnes qui soutiennent Le-Coran.com chaque mois, outil 100 % gratuit depuis 2013, et qu’il le restera toujours incha’Allah.
Merci pour vos messages. Seul le prénom est affiché publiquement.
“Merci”
Zohra“Barakallah ufikoum”
Nada“Salem Alaykoum, j’utilise régulièrement votre site qui est une immense ni3ma et je vous remercie pour ce travail, qu’Allah vous récompense grandement pour cela. En voyant cette belle mise à jour j’ai eu envie de marquer l’occasion, j’espère pouvoir le faire de manière plus régulière inchaAllah. Merci beaucoup votre travail est essentiel et précieux”
Amira“Un site où je lis le coran tous les jours depuis 6 ans wa alhamdoulillah. Baraka allahou fikoum pour vos développements sur cette plateforme, votre participation aux aides à la Palestine et l'ensemble de vos actions humanitaires. Qu'Allah vous récompense et pérennise ce magnifique site”
Ghita“As salam alaykum wa ramathullah wa barakatuh Je trouve la présentation ma shaa allah magnifique, claire un plaisir des yeux subhanallah Barakallah ofikum à vous tous ,.pour tous vos efforts afin de nous faciliter la compréhension du Saint Coran Qu'Allah Subhannouh a t'ala vous réserve à tous les plus hauts degrés du firdaws amin”
Salma -Marie“Qu'Allah bénisse votre travail pour la communauté”
Ali“Merci simplement”
Aida“Merci infiniment pour ce site. Je l'utilise tous les jours depuis plus d'un an pour lire les sourates. Il est simple, pratique et très facile à utiliser.”
Dadoلتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ؛ لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم، ولتجدنَّ أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا: إنا نصارى؛ ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبّادًا في الصوامع متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد ﷺ، وآمنوا بها.
ومما يدلُّ على قرب مودتهم للمسلمين أن فريقًا منهم [وهم وفد الحبشة لما سمعوا القرآن] فاضت أعينهم من الدمع فأيقنوا أنه حقٌّ منزل من عند الله تعالى، وصدَّقوا بالله واتبعوا رسوله، وتضرعوا إلى الله أن يكرمهم بشرف الشهادة مع أمَّة محمد -عليه السلام- على الأمم يوم القيامة.
وقالوا: وأيُّ لوم علينا في إيماننا بالله، وتصديقنا بالحق الذي جاءنا به محمد ﷺ من عند الله، واتباعِنا له، ونرجو أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته في جنته يوم القيامة؟
فجزاهم الله بما قالوا من الاعتزاز بإيمانهم بالإسلام، وطلبهم أن يكونوا مع القوم الصالحين، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها لا يخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها، وذلك جزاء إحسانهم في القول والعمل.
والذين جحدوا وحدانية الله وأنكروا نبوَّة محمد ﷺ، وكذَّبوا بآياته المنزلة على رسله، أولئك هم أصحاب النار الملازمون لها.
يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات أحلَّها الله لكم من المطاعم والمشارب ونكاح النساء، فتضيِّقوا ما وسَّع الله عليكم، ولا تتجاوزوا حدود ما حرَّم الله. إن الله لا يحب المعتدين.
وتمتعوا -أيها المؤمنون- بالحلال الطيب مما أعطاكم الله ومنحكم إياه، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراقبته.
لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان، مثل قول بعضكم: لا والله، وبلى والله، ولكن يعاقِبُكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم، فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة محتاجين لا يملكون ما يكفيهم ويسدُّ حاجتهم، لكل مسكين نصف صاع مِن أوسط طعام أهل البلد، أو كسوتهم، لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفًا، أو إعتاق مملوك من الرق، فالحالف الذي لم يَفِ بيمينه مخيَّر بين هذه الأمور الثلاثة، فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام. تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم، واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تَفُوا بها. كما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه؛ لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل، والميسر: وهو القمار، -وذلك يشمل المراهناتِ ونحوَها، مما فيه عوض من الجانبين، وصدٌّ عن ذكر الله- والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه، والأزلام: وهي القِداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الأمر، أو الإحجام عنه، إنَّ ذلك كله إثم مِن تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه الآثام، لعلكم تفوزون بالجنة.
إنما يريد الشيطان بتزيين الآثام لكم أن يُلقِي بينكم ما يوجد العداوة والبغضاء؛ بسبب شرب الخمر ولعب الميسر، ويصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة بغياب العقل في شرب الخمر، والاشتغال باللهو في لعب الميسر، فانتهوا عن ذلك.
وامتثلوا -أيها المسلمون- طاعة الله وطاعة رسوله محمد ﷺ في كل ما تفعلون وتتركون، واتقوا الله وراقبوه في ذلك، فإن أعرضتم عن الامتثال فعملتم ما نهيتم عنه، فاعلموا أنما على رسولنا محمد ﷺ البلاغ المبين.
ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك، إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدلُّ على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم، ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله عز وجل وإيمانًا به، حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه، وكأنهم يرونه. وإن الله تعالى يحب الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه ليبلونكم الله بشيء من صيد البَرِّ يقترب منكم على غير المعتاد حيث تستطيعون أَخْذَ صغاره بغير سلاح وأَخْذ كباره بالسلاح؛ ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين يخافون ربهم بالغيب، ليقينهم بكمال علمه بهم، وذلك بإمساكهم عن الصيد، وهم محرمون. فمن تجاوز حَدَّه بعد هذا البيان فأقدم على الصيد -وهو مُحْرِم- فإنه يستحق العذاب الشديد.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تقتلوا صيد البر، وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل الحرم، ومَن قتل أيَّ نوع من صيد البرِّ متعمدًا فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان، وأن يهديه لفقراء الحرم، أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم، لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم بدلًا من ذلك يومًا عن كل نصف صاع من ذلك الطعام، فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء؛ ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبة فِعْله. والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم، ومَن عاد إلى المخالفة متعمدًا بعد التحريم، فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه. والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه، ومِن عزته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد، لا يمنعه من ذلك مانع.
أحلَّ الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر، وهو ما يصاد منه حيًّا، وطعامه: وهو الميت منه؛ من أجل انتفاعكم به مقيمين أو مسافرين، وحرَّم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة. واخشوا الله ونفذوا جميع أوامره، واجتنبوا جميع نواهيه؛ حتى تظفَروا بعظيم ثوابه، وتَسْلموا من أليم عقابه عندما تحشرون للحساب والجزاء.
امتنَّ الله على عباده بأن جعل الكعبة البيت الحرام صلاحًا لدينهم، وأمنًا لحياتهم؛ وذلك حيث آمنوا بالله ورسوله وأقاموا فرائضه، وحَرَّم العدوان والقتال في الأشهر الحرم (وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) فلا يعتدي فيها أحد على أحد، وحَرَّم تعالى الاعتداء على ما يُهْدى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وحَرَّم كذلك الاعتداء على القلائد، وهي ما قُلِّد إشعارًا بأنه يقصد به النسك؛ ذلك لتعلموا أن الله يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض، ومن ذلك ما شرعه لحماية خلقه بعضهم من بعض، وأن الله بكل شيء عليم، فلا تخفى عليه خافية.
اعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا شديد العقاب لمن عصاه، وأن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب.
يبيِّن الله تعالى أن مهمة رسوله ﷺ هداية الدلالة والتبليغ، وبيد الله -وحده- هداية التوفيق، وأن ما تنطوي عليه نفوس الناس مما يُسرُّون أو يعلنون من الهداية أو الضلال يعلمه الله.
قل -أيها الرسول-: لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء، فالكافر لا يساوي المؤمن، والعاصي لا يساوي المطيع، والجاهل لا يساوي العالم، والمبتدع لا يساوي المتبع، والمال الحرام لا يساوي الحلال، ولو أعجبك -أيها الإنسان- كثرة الخبيث وعدد أهله. فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة باجتناب الخبائث، وفعل الطيبات؛ لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم، وهو رضا الله تعالى والفوز بالجنة.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين لم تؤمروا فيها بشيء، كالسؤال عن الأمور غير الواقعة، أو التي يترتب عليها تشديدات في الشرع، ولو كُلِّفتموها لشقَّتْ عليكم، وإن تسألوا عنها في حياة رسول الله ﷺ وحين نزول القرآن عليه تُبيَّن لكم، وقد تُكلَّفونها فتعجزون عنها، تركها الله معافيًا لعباده منها. والله غفور لعباده إذا تابوا، حليم عليهم فلا يعاقبهم وقد أنابوا إليه.
إن مثل تلك الأسئلة قد سألها قومٌ مِن قبلكم رسلَهم، فلما أُمِروا بها جحدوها، ولم ينفذوها، فاحذروا أن تكونوا مثلهم.
ما شرع الله للمشركين ما ابتدعوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضها وجعلها للأصنام، وهي: البَحيرة التي تُقطع أذنها إذا ولدت عددًا من البطون، والسائبة وهي التي تُترك للأصنام، والوصيلة وهي التي تتصل ولادتها بأنثى بعد أنثى، والحامي وهو الذكر من الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الإبل، ولكن الكفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراء عليه، وأكثر الكافرين لا يميزون الحق من الباطل.
وإذا قيل لهؤلاء الكفار المحرِّمين ما أحلَّ الله: تعالوا إلى تنزيل الله وإلى رسوله ليتبين لكم الحلال والحرام، قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قول وعمل، أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه؟ فكيف يتبعونهم، والحالة هذه؟ فإنه لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلًا.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه ألْزِموا أنفسكم بالعمل بطاعة الله واجتناب معصيته، وداوموا على ذلك وإن لم يستجب الناس لكم، فإذا فعلتم ذلك فلا يضركم ضلال مَن ضلَّ إذا لزمتم طريق الاستقامة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، إلى الله مرجعكم جميعًا في الآخرة، فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا قَرُب الموت من أحدكم، فلْيُشْهد على وصيته اثنين أمينين من المسلمين، أو آخرين من غير المسلمين عند الحاجة وعدم وجود غيرهما من المسلمين، تُشهدونهما إن أنتم سافرتم في الأرض فحلَّ بكم الموت، وإن ارتبتم في شهادتهما فقفوهما من بعد الصلاة -أي صلاة المسلمين، وبخاصة صلاةُ العصر-، فيقسمان بالله قسمًا خالصًا لا يأخذان به عوضًا من الدنيا، ولا يحابيان به ذا قرابة منهما، ولا يكتمان به شهادة لله عندهما، وأنهما إن فَعَلا ذلك فهما من المذنبين.
فإن اطَّلع أولياء الميت على أن الشاهدين المذكورين قد أثما بالخيانة في الشهادة أو الوصية، فليقم مقامهما في الشهادة اثنان من أولياء الميت فيقسمان بالله: لَشهادتنا الصادقة أولى بالقَبول من شهادتهما الكاذبة، وما تجاوزنا الحق في شهادتنا، إنا إن اعتدينا وشهدنا بغير الحق لمن الظالمين المتجاوزين حدود الله.
ذلك الحكم عند الارتياب في الشاهدين من الحلف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما، أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها خوفًا من عذاب الآخرة، أو خشية من أن تُرَدَّ اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحق بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الذي رُدَّت يمينه في الدنيا وقت ظهور خيانته. وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كذبًا، وأن تقتطعوا بأيمانكم مالًا حرامًا، واسمعوا ما توعظون به. والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته.
واذكروا -أيها الناس- يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل عليهم السلام، فيسألهم عن جواب أممهم لهم حينما دعوهم إلى التوحيد فيجيبون: لا علم لنا، فنحن لا نعلم ما في صدور الناس، ولا ما أحدثوا بعدنا. إنك أنت عليم بكل شيء مما خفي أو ظهر.
إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها، ومن هذه النعم على عيسى أنه قوّاه وأعانه بجبريل عليه السلام، يكلم الناس وهو رضيع قبل أوان الكلام، ويدعوهم إلى الله وهو كبير قد اجتمعت قُوَّته وكمُل شبابه بما أوحاه الله إليه من التوحيد، ومنها أن الله تعالى علَّمه الكتابة والخط بدون معلم، ووهبه قوة الفهم والإدراك، وعَلَّمه التوراة التي أنزلها على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل عليه هداية للناس، ومن هذه النعم أنه يصوِّر من الطين كهيئة الطير فينفخ في تلك الهيئة، فتكون طيرًا بإذن الله، ومنها أنه يشفي الذي وُلِد أعمى فيبصر، ويشفي الأبرص فيعود جلده سليمًا بإذن الله، ومنها أنه يدعو الله أن يحييَ الموتى فيقوموا من قبورهم أحياء، وذلك كله بإرادة الله تعالى وإذنه، وهي معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى عليه السلام، ثم يذكِّره الله جل وعلا نعمته عليه إذ منع بني إسرائيل حين همُّوا بقتله، وقد جاءهم بالمعجزات الواضحة الدالة على نبوته، فقال الذين كفروا منهم: إنَّ ما جاء به عيسى من البينات سحر ظاهر.
واذكر -يا عيسى- نعمتي عليك، إذ ألهمتُ، وألقيتُ في قلوب جماعة من خلصائك أن يُصَدِّقوا بوحدانية الله تعالى ونبوتك، فقالوا: صدَّقنا يا ربنا، واشهد بأننا خاضعون لك منقادون لأمرك.
واذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ فكان جوابه أن أمرهم بأن يتقوا عذاب الله تعالى، إن كانوا مؤمنين حقَّ الإيمان.
قال الحواريون: نريد أن نأكل من المائدة وتسكنَ قلوبنا لرؤيتها، ونعلم يقينًا صدقك في نبوتك، وأن نكون من الشاهدين على هذه الآية أن الله أنزلها حجة له علينا في توحيده وقدرته على ما يشاء، وحجةً لك على صدقك في نبوتك.
أجاب عيسى بن مريم طلب الحواريين فدعا ربه جل وعلا قائلًا: ربَّنا أنزل علينا مائدة طعام من السماء، نتخذُ يوم نزولها عيدًا لنا، نعظمه نحن ومَن بعدنا، وتكون المائدة علامة وحجة منك -يا ألله- على وحدانيتك وعلى صدق نبوتي، وامنحنا من عطائك الجزيل، وأنت خير الرازقين.
قال الله تعالى: إني منَزِّل مائدة الطعام عليكم، فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوةَ عيسى عليه السلام بعد نزول المائدة فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين. وقد نزلت المائدة كما وعد الله.
واذكر إذ قال الله تعالى يوم القيامة: يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اجعلوني وأمي معبودين من دون الله؟ فأجاب عيسى -منزِّهًا الله تعالى-: ما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق. إن كنتُ قلتُ هذا فقد علمتَه؛ لأنه لا يخفى عليك شيء، تعلم ما تضمره نفسي، ولا أعلم أنا ما في نفسك. إنك أنت عالمٌ بكل شيء مما خفي أو ظهر.
قال عيسى عليه السلام: يا ربِّ ما قلت لهم إلا ما أوحيته إليَّ، وأمرتني بتبليغه من إفرادك بالتوحيد والعبادة، وكنتُ على ما يفعلونه -وأنا بين أظهرهم- شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم، فلما وفيتني أجلي على الأرض، ورفعتني إلى السماء حيًّا، كنتَ أنتَ المطَّلِع على سرائرهم، وأنت على كل شيء شهيد، لا تخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء.
إنك يا ألله إن تعذبهم فإنهم عبادك -وأنت أعلم بأحوالهم-، تفعل بهم ما تشاء بعدلك، وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة، فإنك أنت العزيز الذي لا يغالَبُ، الحكيم في تدبيره وأمره. وهذه الآية ثناء على الله -تعالى- بحكمته وعدله، وكمال علمه.
قال الله تعالى لعيسى عليه السلام يوم القيامة: هذا يومُ الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدُهم ربَّهم، وانقيادُهم لشرعه، وصِدْقُهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، رضي الله عنهم فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه، ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم.
لله وحده لا شريك له ملك السموات والأرض وما فيهن، وهو -سبحانه- على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
• سميت الأنعام؛ لأنها تعرَّضت لذكر بهيمة الأنعام بتفصيل لم يَرِدْ مثلُه في أي سورة أخرى، موضِّحةً عقائد المشركين فيها، وجهالاتهم في التقرب إلى أصنامهم، وما حرَّموه على أنفسهم مما رزقهم الله.
من مقاصد السورة• تقريرُ توحيد الألوهية لله - سبحانه وتعالى - عن طريق إثبات الربوبية بالأدلة العقلية المُقْنعة، وتنزيهُ الله - جلَّ في علاه - عن الصاحبة والولد، وذكرُ دلائل القدرة والوحدانية في خلق السموات والأرض والإنسان والحيوان، وأنه المتفرِّد بذلك، وإبطالُ تأثير الشركاء المزعومين؛ من أصنامٍ وجنٍّ وغير ذلك، وإبطالُ زعم المشركين أنَّ اللهَ لقَّنهم عقيدةَ الإشراك؛ قصدًا منهم لإفحام الرسول ﷺ.
• إثبات النُّبُوّات والرسالات، والحديثُ عن الوحي، والرَّدُّ على منكريه وتفنيدُ شبهاتهم، وبيانُ الحكمة من إرسال الرسل، وموعظةُ المعرضين عن آيات القرآن والمكذِّبين بالدين، وتهديدُهم بأن يحلَّ بهم ما حلَّ بالقرون من قبلهم، وبيانُ سُنَّةِ الله فيمن كذَّب الرسل، وأخذِهم فجأةً حين غفلتهم، ووعيدُهم بما سيَلقون عند الموت والبعث ويوم القيامة.
• تقرير عقيدة البعث والجزاء، وتنويعُ الطرق في إثباته، وبيانُ الحكمة منه، وتصويرُ مواقف المشركين وما يكونون عليه في يوم القيامة، وتوبيخُهم في تكذيبهم بالبعث، وتهديدهم بالعذاب.
• التهوين على النبي ﷺ فيما يلقاه من قومه وتَثبيتُه، وتسليتُه بضرب الـمَثَلِ بإبراهيم مع أبيه وقومه، وأن هذا حال الأنبياء والرسل قبلَه.
• الكلامُ عن جملةٍ من عادات أهل الجاهلية وأحوالهم، وجدالُهم والاحتجاجُ على سفاهتهم فيما حرَّموه على أنفسهم مما رزقهم الله، وإبطالُ مزاعمهم في أمر التحليل والتحريم.
• بيان بعض الأحكام الشرعية؛ كالصدقة من الزُّرُوع والثمار، وذكرِ الأطعمة التي حرَّمها الله، وتحريمِ القتل، والأمر بوفاء الكيل والميزان.
• تقرير الوصايا العشر العظيمة، التي جمعت من أمور العقائد والآداب والأخلاق والمعاملات؛ ما يضمن تحقيق السعادة والاستقرار للفرد والجماعة؛ فوضعت الأساسَ القويَّ لتربية المسلم على العقيدة السليمة والأخلاق الكريمة، وأَرْسَت الأساسَ للمجتمع المسلم المترابط، الذي يأمن الفردُ فيه على دمِه وعرضِه ومالِه.
• بيان مِنَّة الله العظمى على الأمة بإنزال القرآن هدىً لهم كما أنزل الكتاب على موسى، وبجعلِها خاتمةَ الأمم الصالحة، والتنويهُ بفضل القرآن والإسلام، وبما أنعم الله على أهله من مضاعفة الحسنات.
[التفسير]الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، الذي أنشأ السموات والأرض وما فيهن، وخلق الظلماتِ والنورَ، وذلك بتعاقب الليل والنهار. وفي هذا دلالة على عظمة الله تعالى، واستحقاقه وحده العبادة، فلا يجوز لأحد أن يشرك به غيره. ومع هذا الوضوح فإن الكافرين يسوون بالله غيره، ويشركون به.
هو الذي خلق أباكم آدمَ من طين وأنتم سلالة منه، ثم كتب مدة بقائكم في هذه الحياة الدنيا، وكتب أجلًا آخر محدَّدًا لا يعلمه إلا هو جل وعلا، وهو يوم القيامة، ثم أنتم بعد هذا تشكُّون في قدرة الله تعالى على البعث بعد الموت.
والله سبحانه هو الإله المعبود بحقٍّ في السموات والأرض. ومن دلائل ألوهيته أنه يعلم جميع ما تخفونه -أيها الناس- وما تعلنونه، ويعلم جميع أعمالكم من خير أو شر؛ ولهذا فإنه -جلَّ وعلا- وحده هو الإله المستحق للعبادة.
هؤلاء الكفار الذين يشركون مع الله تعالى غيره قد جاءتهم الحجج الواضحة والدلالات البينة على وحدانية الله -جل وعلا-، وصِدْقِ محمد ﷺ في نبوته وما جاء به، ولكن ما إن جاءتهم حتى أعرضوا عن قَبولها، ولم يؤمنوا بها.
لقد جحد هؤلاء الكفار الحقَّ الذي جاءهم به محمد ﷺ وسخروا من دعاته؛ جهلًا منهم بالله واغترارًا بإمهاله إياهم، فسوف يرون ما استهزؤوا به أنه الحق والصدق، ويبين الله للمكذبين كذبهم وافتراءهم، وسيجازيهم عليه.
ألم يعلم هؤلاء الذين يجحدون وحدانية الله تعالى واستحقاقَه وحدَه العبادة، ويُكذِّبون رسوله محمدًا ﷺ ما حلَّ بالأمم المكذبة قبلهم من هلاك وتدمير، وقد مكنّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم أيها الكافرون، وأنعمنا عليهم بإنزال الأمطار وجريان الأنهار من تحت مساكنهم؛ استدراجًا وإملاء لهم، فكفروا بنعم الله وكذبوا الرسل، فأهلكناهم بسبب ذنوبهم، وأنشأنا من بعدهم أممًا أخرى خلفوهم في عمارة الأرض؟
ولو نَزَّلنا عليك -أيها الرسول- كتابًا من السماء في أوراق فلمسه هؤلاء المشركون بأيديهم لقالوا: إنَّ ما جئت به -أيها الرسول- سحر واضح بيِّن.
وقال هؤلاء المشركون: هلّا أنزل الله تعالى على محمد مَلَكًا من السماء؛ ليصدقه فيما جاء به من النبوة، ولو أنزلنا مَلَكًا من السماء إجابةً لطلبهم لقُضِي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يُمْهلون لتوبة؛ فقد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون.
ولو جعلنا الرسول المرسل إليهم مَلَكًا إذ لم يقتنعوا بمحمد ﷺ، لجعلنا ذلك الملك في صورة البشر؛ حتى يستطيعوا السماع منه ومخاطبته؛ إذ ليس بإمكانهم رؤية الملك على صورته الملائكية، ولو جاءهم الملك بصورة رجل لاشتبه الأمر عليهم، كما اشتبه عليهم أمر محمد ﷺ.
ولمّا كان طلبهم إنزال الملك على سبيل الاستهزاء بمحمد ﷺ، بيَّن الله تعالى له أن الاستهزاء بالرسل عليهم السلام ليس أمرًا حادثًا، بل قد وقع من الكفار السابقين مع أنبيائهم، فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يهزؤون به وينكرون وقوعه.
قل لهم -أيها الرسول-: سيروا في الأرض ثم انظروا كيف أعقب الله المكذبين الهلاك والخزي؟ فاحذروا مثل مصارعهم، وخافوا أن يحلَّ بكم مثلُ الذي حل بهم.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لمن مُلكُ السموات والأرض وما فيهن؟ قل: هو لله كما تُقِرُّون بذلك وتعلمونه، فاعبدوه وحده. كتب الله على نفسه الرحمة فلا يعجل على عباده بالعقوبة. ليجمعنكم إلى يوم القيامة الذي لا شك فيه للحساب والجزاء. الذين أشركوا بالله أهلكوا أنفسهم؛ فهم لا يوحدون الله، ولا يصدقون بوعده ووعيده، ولا يقرون بنبوة محمد ﷺ.
ولله ملك كل شيء في السموات والأرض، سكن أو تحرك، خفي أو ظهر، الجميع عبيده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، وهو السميع لأقوال عباده، العليم بسرائرهم وأعمالهم.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين مع الله تعالى غيره: أغير الله تعالى أتخذ وليًا ونصيرًا، وهو خالق السموات والأرض وما فيهن، وهو الذي يرزق خلقه ولا يرزقه أحد؟ قل -أيها الرسول-: إني أُمِرْت أن أكون أول مَن خضع وانقاد له بالعبودية من هذه الأمة، ونُهيت أن أكون من المشركين معه غيره.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين مع الله غيره: إني أخاف إن عصيت ربي، فخالفت أمره، وأشركت معه غيره في عبادته، أن ينزل بي عذاب عظيم يوم القيامة.
من يصرف الله عنه ذلك العذاب الشديد فقد رحمه، وذلك الصرف هو الظفر البين بالنجاة من العذاب العظيم.
وإن يصبك الله تعالى -أيها الإنسان- بشيء يضرك كالفقر والمرض فلا كاشف له إلا هو، وإن يصبك بخير كالغنى والصحة فلا راد لفضله ولا مانع لقضائه، فهو -جل وعلا- القادر على كل شيء.
والله سبحانه هو الغالب القاهر فوق عباده؛ خضعت له الرقاب وذَلَّتْ له الجبابرة، وهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها وَفْق حكمته، الخبير الذي لا يخفى عليه شيء. ومن اتصف بهذه الصفات يجب ألّا يشرَك به. وفي هذه الآية إثبات الفوقية لله -تعالى- على جميع خلقه، فوقية مطلقة تليق بجلاله سبحانه.
قل -أيها الرسول لهؤلاء المشركين-: أيُّ شيء أعظم شهادة في إثبات صدقي فيما أخبرتكم به أني رسول الله؟ قل: الله شهيد بيني وبينكم، أي: هو العالم بما جئتكم به وما أنتم قائلون لي، وأوحى الله إليَّ هذا القرآن مِن أجل أن أنذركم به عذابَه أن يحلَّ بكم، وأُنذِرَ به مَن وصل إليه من الأمم. إنكم لَتقرون أن مع الله معبودات أخرى تشركونها به. قل لهم -أيها الرسول-: إني لا أشهد على ما أقررتم به، إنما الله إله واحد لا شريك له، وإنني بريء من كل شريك تعبدونه معه.
الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، يعرفون محمدًا ﷺ بصفاته المكتوبة عندهم كمعرفتهم أبناءهم، فكما أن أبناءهم لا يشتبهون أمامهم بغيرهم، فكذلك محمد ﷺ لا يشتبه بغيره لدقة وصفه في كتبهم، ولكنهم اتبعوا أهواءهم، فخسروا أنفسهم حين كفروا بمحمد ﷺ وبما جاء به.
لا أحد أشد ظلمًا ممَّن تَقَوَّلَ الكذب على الله تعالى، فزعم أن له شركاء في العبادة، أو ادَّعى أن له ولدًا أو صاحبة، أو كذَّب ببراهينه وأدلته التي أيَّد بها رسله عليهم السلام. إنه لا يفلح الظالمون الذين افتَرَوا الكذب على الله، ولا يظفرون بمطالبهم في الدنيا ولا في الآخرة.
وليحذر هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله تعالى يوم نحشرهم ثم نقول لهم: أين آلهتكم التي كنتم تدَّعون أنهم شركاء مع الله تعالى ليشفعوا لكم؟
ثم لم تكن إجابتهم حين فُتِنوا واختُبِروا بالسؤال عن شركائهم إلا أن تبرؤوا منهم، وأقسموا بالله ربِّهم إنهم لم يكونوا مشركين مع الله غيره.
تأمل -أيها الرسول- كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم، وهم في الآخرة قد تبرؤوا من الشرك؟ وذهب وغاب عنهم ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم.
ومن هؤلاء المشركين مَن يستمع إليك القرآن -أيها الرسول-، فلا يصل إلى قلوبهم؛ لأنهم بسبب اتباعهم أهواءهم جعلنا على قلوبهم أغطية؛ لئلا يفقهوا القرآن، وجعلنا في آذانهم ثِقَلًا وصممًا فلا تسمع ولا تعي شيئًا، وإن يروا الآياتِ الكثيرةَ الدالَّةَ على صدق محمد ﷺ لا يصدقوا بها، حتى إذا جاؤوك -أيها الرسول- بعد معاينة الآيات الدالة على صدقك يخاصمونك: يقول الذين جحدوا آيات الله: ما هذا الذي نسمع إلا ما تناقله الأولون من حكايات لا حقيقة لها.
وهؤلاء المشركون ينهَوْن الناس عن اتباع محمد ﷺ والاستماع إليه، ويبتعدون بأنفسهم عنه، وما يهلكون -بصدهم عن سبيل الله- إلا أنفسهم، وما يحسون أنهم يعملون لهلاكها.
ولو ترى -أيها الرسول- هؤلاء المشركين يوم القيامة لرأيت أمرًا عظيمًا، وذلك حين يُحْبَسون على النار، ويشاهدون ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا: يا ليتنا نعاد إلى الحياة الدنيا، فنصدق بآيات الله ونعمل بها، ونكونَ من المؤمنين.
ليس الأمر كذلك، بل ظهر لهم يومَ القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يُظهرون لأتباعهم خلافه. ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأُمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب. وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رُددنا إلى الدنيا لم نُكذِّب بآيات ربنا، وكنا من المؤمنين.
وقال هؤلاء المشركون المنكرون للبعث: ما الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها، وما نحن بمبعوثين بعد موتنا.
ولو ترى -أيها الرسول- منكري البعث إذ حُبسوا بين يدي الله تعالى لقضائه فيهم يوم القيامة، لرأيت أسوأ حال، إذ يقول الله جل وعلا: أليس هذا بالحق، أي: أليس هذا البعث الذي كنتم تنكرونه في الدنيا حقًّا؟ قالوا: بلى وربِّنا إنه لحق، قال الله تعالى: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، أي: العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا؛ بسبب جحودكم بالله تعالى ورسوله محمد ﷺ.
قد خسر الكفار الذين أنكروا البعث بعد الموت، حتى إذا قامت القيامة وفوجئوا بسوء المصير، نادَوا على أنفسهم بالحسرة على ما ضيَّعوه في حياتهم الدنيا، وهم يحملون آثامهم على ظهورهم، فما أسوأ الأحمال الثقيلة السيئة التي يحملونها!!
وما الحياة الدنيا في غالب أحوالها إلا غرور وباطل، والعمل الصالح للدار الآخرة خير للذين يخشون الله، فيتقون عذابه بطاعته واجتناب معاصيه. أفلا تعقلون -أيها المشركون المغترون بزينة الحياة الدنيا- فتُقدِّموا ما يبقى على ما يفنى؟
إنا نعلم إنه ليُدْخل الحزنَ إلى قلبك تكذيبُ قومك لك في الظاهر، فاصبر واطمئن؛ فإنهم لا يكذبونك في قرارة أنفسهم، بل يعتقدون صدقك، ولكنهم لظلمهم وعدوانهم يجحدون البراهين الواضحة على صدقك، فيكذبونك فيما جئت به.
ولقد كذَّب الكفار رسلًا من قبلك أرسلهم الله تعالى إلى أممهم وأوذوا في سبيله، فصبروا على ذلك ومضَوْا في دعوتهم وجهادهم حتى أتاهم نَصْرُ الله. ولا مبدل لكلمات الله، وهي ما أنزل على نبيه محمد ﷺ مِن وعده إياه بالنصر على مَن عاداه. ولقد جاءك -أيها الرسول- مِن خبر مَن كان قبلك من الرسل، وما تحقق لهم مِن نصر الله، وما جرى على مكذبيهم من نقمة الله منهم وغضبه عليهم، فلك فيمن تقدم من الرسل أسوة وقدوة. وفي هذا تسلية للرسول ﷺ.
وإن كان عَظُمَ عليك -أيها الرسول- صدود هؤلاء المشركين وانصرافُهم عن الاستجابة لدعوتك، فإن استطعت أن تتخذ نفقًا في الأرض، أو مِصْعَدًا تصعد فيه إلى السماء، فتأتيهم بعلامة وبرهان على صحة قولك غير الذي جئناهم به فافعل. ولو شاء الله لَجَمعهم على الهدى الذي أنتم عليه ووفَّقهم للإيمان، ولكن لم يشأ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، فلا تكونن -أيها الرسول- من الجاهلين الذين اشتد حزنهم، وتحسَّروا حتى أوصلهم ذلك إلى الجزع الشديد.